عبد الوهاب الشعراني

245

لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية

يمشيه هناك يتركه هنا ومن لم يسلك كذلك فمن لازمه قصر بصره على هذه الدار ولا يكاد يتذكر الآخرة بل يقول لكل شيء وقت كما سمعته من خلق كثير ، ولذلك كثرت الخيانة لهذا العهد من غالب الناس في هذا الزمان ، فصار كل واحد ينصب على الآخر ويأخذ عمامة هذا يلبسها لهذا فلذلك ركبتهم الديون ودخلوا الحبوس ، ولو أنهم نووا الوفاء بصدق لأعانهم اللّه على الوفاء ، وكم من شخص تحبسه امرأته ويحكمها اللّه تعالى فيه حتى يصير يقبل نعلها أن تطلقه فلا تطلقه ، وهذا من أعظم الخزي ، على كل ذي مروءة . ثم إذا وقعت يا أخي في الدين فإياك أن تظهر لصاحب الدين الفقر ، والأمر بخلاف ذلك فيسلطه اللّه عليك بالحبس ، وتقسي قلبه عليك وإياك أن تتزوج وعليك دين أو تتسرى أو تعمل عرسا أو سماطا بل قتر على نفسك كل التقتير ، وكل شيء دخل يدك مما زاد على ضرورتك ، فأعطه لصاحب الدين ، واشكر فضله في صبره عليك ، وقل له بحق وصدق واللّه أنا في خجل منك ، ولكن ادع اللّه لي أن يوسع عليّ حتى أوفيك وأوفي غيرك ، وقد دخل جماعة كثيرة من إخواننا الحبوس بسبب الكلام المر لصاحب الدين وبسبب التزويج وعمل الأعراس ، والعزومات ، وقال أصحاب الديون : نحن أحق بذلك المال الذي ينفقه على شهوات نفسه وهو حق ، وإذا طلب صاحب الدين أن يحبس المديون فمن الأدب أن لا يتوارى عنه بل يجيء بنفسه إليه ويقول أنا أسيرك في الدنيا والآخرة ، فإن شئت فاحبس وإن شئت فأطلق ، وكذلك من الأدب أن يشكره بين الناس ويدعو له فيما بينه وبين اللّه بتوسعة الرزق وتعطيفه عليه حتى لا يحبسه ولا يضيق عليه ، وإذا ساق الفقراء أو العلماء فمن الأدب أن يكونوا مع صاحب الحق لأن بيده العقد والحل ولا يكونوا مع المديون فيزداد الأمر شدة فإن المديون هو القليل الدين الذي أتلف مال الناس وفي الحديث : « هلّا مع صاحب الحقّ كنتم » . ثم إذا جاء العلماء أو الفقراء سياقا ، فمن الأدب من صاحب الدين أن يجعل لسياقهم تأثيرا ولا يخالفهم يندم وإن راح بعدهم إلى الشرع غلبوه ، وإياك أن تستكثر مع القدرة إسقاط شطر الدين لأجل سياق العلماء والصالحين فإن جميع ذلك الدين لا يجيء في مقابلة خطوة واحدة يمشيها إليك عالم أو صالح . وقد بلغ سيدي عليا الخواص أن شخصا أتى بفقير سياقا على خصمه ليصبر عليه بدينه وكان خمسمائة دينار فأبى أن يصبر فقال الشيخ وعزة ربي الخمسمائة دينار لا تجيء حق طريق الفقير ، ولكن ما بقي يصل منها إليه شيء فاتهم ذلك الشخص بتهمة في بيت الوالي فضرب فمات وحضرنا جنازته رحمة اللّه عليه ، فاعلم ذلك واللّه يتولى هداك . وروى الحاكم والطبراني مرفوعا : « من تداين بدين وفي نفسه وفاؤه ثمّ مات تجاوز اللّه عنه وأرضى غريمه بما يشاء ، ومن تداين بدين وليس في نفسه وفاؤه ثمّ مات اقتصّ